محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأنت تضمر " كان " ، ولا يصلح أن تقول : انصرنا أخانا ، وأنت تريد : تكن أخانا . وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا في " أفعل " خاصة ، فتقول : افعل هذا خيرا لك ، ولا تفعل هذا خيرا لك وأفضل لك ؛ ولا تقول : صلاحا لك . وزعم أنه إنما قيل مع " أفعل " ، لأن " أفعل " يدل على أن هذا أصلح من ذلك . وقال بعض نحويي البصرة : نصب " خيرا " لأنه حين قال لهم : آمنوا ، أمرهم بما هو خير لهم ، فكأنه قال : اعملوا خيرا لكم ، وكذلك : انتهوا خيرا لكم ، قال : وهذا إنما يكون في الأمر والنهي خاصة ، ولا يكون في الخبر ، لا تقول : أن أنتهي خيرا لي ، ولكن يرفع على كلامين لأن الأمر والنهي يضمر فيهما ، فكأنك أخرجته من شيء إلى شيء ، لأنك حين قلت له انته ، كأنك قلت له : اخرج من ذا ، وادخل في آخر ؛ واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة : فواعديه سرحتي مالك * أو الربى بينهما أسهلا كما تقول : واعديه خيرا لك . قال : وقد سمعت نصب هذا في الخبر ، تقول العرب : آتي البيت خيرا لي وأتركه خيرا لي ، وهو على ما فسرت لك في الأمر والنهي . وقال آخر منهم : نصب " خيرا " بفعل مضمر ، واكتفى من ذلك المضمر بقوله : لا تفعل هذا وافعل الخير ، وأجازه في غير " أفعل " ، فقال : لا تفعل ذاك صلاحا لك . وقال آخر منهم : نصب " خيرا " على ضمير جواب : يكن خيرا لكم ، وقال : كذلك كل أمر ونهي . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني جل ثناؤه بقوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ يا أهل الإنجيل من النصارى ، لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ يقول : لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه ، ولا تقولوا في عيسى غير الحق ، فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحق ، لأن الله لم يتخذ ولدا ، فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابنا . وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وأصل الغلو في كل شيء : مجاوزة حده الذي هو حده ، يقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلوا ، وغلا بالجارية عظمها ولحمها : إذا أسرعت الشباب ، فجاوزت لداتها ، يغلو بها غلوا وغلاء ؛ ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي : خمصانة قلق موشحها * رؤد الشباب غلا بها عظم وقد حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : صاروا فريقين : فريق غلوا في الدين ، فكان غلوهم فيه : الشك فيه والرغبة عنه . وفريق منهم قصروا عنه ففسقوا عن أمر ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ يعني ثناؤه بقوله : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ما المسيح أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب بابن الله كما تزعمون ، ولكنه عيسى ابن مريم دون غيرها من الخلق ، لا نسب له غير ذلك . ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته ووصفه بصفته ، فقال : هو رسول الله ، أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه . وأصل المسيح : الممسوح ، صرف من مفعول إلى فعيل ، وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب ؛ وقيل : مسح من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين ، كما يمسح الشيء من الأذى الذي يكون فيه فيطهر منه ، ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله : المسيح : الصديق . وقد زعم بعض الناس أن أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية " مشيحا " فعربت ، فقيل المسيح ، كما عرب سائر أسماء الأنبياء التي في القرآن مثل إسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى . قال أبو جعفر : وليس ما مثل به من ذلك للمسيح بنظير ؛ وذلك أن إسماعيل وإسحاق وما أشبه ذلك ، أسماء لا صفات ، والمسيح صفة ، وغير جائز أن تخاطب العرب وغيرها من أجناس الخلق في صفة شيء إلا بمثل ما يفهم عمن خاطبها ، ولو كان المسيح من غير كلام العرب ولم تكن العرب تعقل معناه ما خوطبت به . وقد أتينا من البيان عن نظائر ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته . وأما المسيح الدجال ، فإنه أيضا بمعنى الممسوح العين ، صرف من مفعول إلى فعيل ، فمعنى المسيح في عيسى صلى الله عليه وسلم : الممسوح البدن من الأدناس والآثام ، ومعنى المسيح في الدجال : الممسوح العين اليمنى أو اليسرى كالذي روي عن رسول